عبد الله بن محمد المالكي
276
رياض النفوس في طبقات علماء القيروان وأفريقية وزهادهم ونساكهم وسير من أخبارهم وفضائلهم وأوصافهم
وقال السقيفي « 15 » : بلغني أن أبا محرز كان يوما عند أبي العباس وهو متّزر « 16 » فكأن أبا العباس وجد من ذلك . وكان أبو محرز يوما عند أبي العباس بن إبراهيم بن الأغلب « 17 » ، وعلى رأسه عبد له أسود . فقال أبو العباس : « يا أبا محرز ، لو رأيت هذا وما يصنع في الغارات لرأيت عظيما » فقال أبو محرز : « إنه لا يعرف اللّه » فقال له أبو العباس : « وكيف ذلك ؟ » فقال أبو محرز للعبد : « محمد النبي من الملائكة هو أم من الإنس ؟ » فقال العبد : « هو ربي وربك ! » فقال أبو محرز : « ربي وربك اللّه » ثم قال له : « قد أخبرتك أنه لا يعرف اللّه تعالى » . قال سليمان بن عمران : أخذ في زمن زيادة اللّه زنديق ، فأرسل إلى أسد وأبي محرز وزكريا بن محمد - وكان من أصحاب مالك - يسألهم عن وجه الحكم فيه . فقال أبو محرز : « يستتاب ، فإن تاب وإلا قتل » . ووافقه أسد . وقال زكريا بن محمد بن الحكم : « قد روى أهل العلم أنه من كان يظهر الإسلام واطّلع عليه بغير ذلك لم تقبل توبته » . فقال أبو محرز : « فاعطه السيف ليقتله » قال : « إنما رويت هذا ولا آخذه » فقال له أبو محرز : « يا أحمق ! أفتجرئ هذا على قتله ، وأنت لا تأخذه ؟ » . فقال أسد : « لو قتل بعد توبته عندي لكان شهيدا » « 18 » قال : فدعا زيادة اللّه بالزنديق ، فاستتابه فلم يتب ، فضربت عنقه . والصواب ما قاله زكريا « 19 » : إنه لا تقبل توبته بعد القدرة عليه . لأن توبته لا تعرف حقيقتها ، لأنه يمكن أن يكون إنما تاب فرارا من السيف ، فلا يصح إيمانه إلا بيقين ، كما إنه لا يصح كفره إلا بيقين . فإذا تاب قبل القدرة عليه قبلنا توبته ،
--> ( 15 ) كذا في الأصل بقاف وفاء . وترجم الخشني ( الطبقات ص 197 ) لأحد اعلام العراقيين وشيوخهم وسمّاه « محمد بن أحمد الفارسي المعروف بابن السفيفي » بفاءين فلعله هو أو من نفس العائلة . ويبدو ان تصحيفا حصل اما في مطبوعة الطبقات أو في مخطوطة الرياض . ( 16 ) في الأصل : وهو يزرى . ولعله مصحف عما أثبتنا . ( 17 ) عبارة الأصل : وكان أبا العباس يوما عند ابن إبراهيم بن الأغلب وقد قومنا العبارة وأصلحناها بما يوافق السياق ويقتضيه المعنى . ( 18 ) كذا في الأصل . والمراد : لكان - عندي - شهيدا . ( 19 ) ينظر تحليل للآراء في هذه المسألة : فتاوى شيخ الاسلام ابن تيمية 35 : 110 .